الرئيسية

إهداء

سيرة

البوم

بدايات1

بدايات2

فرح أم حزين؟

دراسات عني

لوحاتي

 قصائد صوتية

غاني من تاليفي

قصص معربة

دفتر الزوار

Français

3برج الضباب

 

كان القطار يسير سيرا حثيثا ويطوي الأرض طيا.

- << بدأت استنشق رائحة البحر>> قال هاشم مغتبطا.

... بعد لحظات توقف القطار بإحدى المحطات الصغيرة المنعزلة.

نزل الأطفال الثلاثة واتجهوا نحو بيت خرب أرست أمامه سيارة قديمة وقف إلى جانبها كهل وطفلة اكبر بقليل من لمياء وتشبه هاشم تماما.

-<<إنها بدون شك هاجر والكهل الذي معها هو جاسر>> قال غازي.

... ابتسم غازي لهاجر بينما اختفت  لمياء خلفه خجلا، أمّا الببغاء كيكي فقد صاح في وجه جاسر:

-<<هل تناولت فطورك؟أغلق الباب من فضلك>>

-<< يله من طائر وقح>> أجاب جاسر.

-<< من هؤلاء؟>> سالت هاجر أخاها هاشم وهي تحتضنه.

-<< انهما صديقاي، تعرفت عليهما أثناء الإقامة عند الأستاذ مصطفى.

صافحت هاجر الضيفين ثم صعد الجميع السيارة التي انطلقت تترنح بقيادة جاسر.

كانت المنطقة خالية وموحشة.

أشارت هاجر إلى إحدى القمم قائلة:

-<< خلف ذاك الجبل يوجد برج الضباب>>

في حين سأل جاسر هاشم قائلا:

-<<هل السيدة سلمى في انتظاركم جميع؟ إنّها لم تحدثني عن هذين الطفلين ؟>>

-<< ربما نسيت ذلك>> أجاب هاشم ثم انحنى ليمس  في أذنها قائلا:

-<< كرها الإقامة عند الأستاذ مصطفى فاستدعيتهما للإقامة عندنا>>

حدّقت هاجر في الطفلين مليّا ثم سالت نفسها:

-<< ماذا ستفعل خالتي سلمى في شأنهما؟ وأين سينامان؟>>

...-<< هذا برج الضباب>> صاح هاشم فجأة.

... يبدو البيت عتيقا منتصبا على حافة البحر وقد شيّد من الحجارة الزرقاء وكانت الطيور البحرية تحيط به من كل جانب.

... عندما توقفت السيارة أطلّت من البيت سيدة ونظرت في اندهاش  إلى الأطفال الأربعة وهم ينزلون منها وكانت السيدة تبدو متعبة.

-<< صباح الخير يا خالتي>> صاح هاشم.

-<< أهلا بك... من هذان؟>>

-<< انّهما صديقاي، لم يستطيعا العودة إلى منزلهما لأن خالهما انكسرت رجله لذلك استدعيتهما>>

-<< لماذا... لماذا لم تفكر قليلا وأنت تصطحبهما معك دون  سابق إعلام؟ ... ليس عندنا مكان شاغر لإيوائهما>> أجابت الخالة سلمى في غضب.

 -<< باستطاعتهما النوم في غرفة المطبخ>> أجاب هاشم.

-<< ولكنّنا لا نملك أسرّة إضافيّة والطقس جاف كما ترى، على كل حال بامكانهما المبيت عندنا الليلة على أن يرحلا غدا>>.

... أحسّت لمياء بالرغبة في البكاء ولكن غازي ربت على كتفها ثم دخل الجميع البيت.

-<<ماذا تصطحبون معكم؟... طائر ببغاء... ألا تكفي كل هذه الحشرات التي جمعتها في المنزل يا هاشم؟>>

-<< يا لتعاستك يا كيكي >> صاح الببغاء.

ضحكت الخالة سلمى ثم التفتت إلى هاشم قائلة:

-<< ستنام بغرفة السطح وفي نفس الفراش مع هذا الصبي... ما اسمه؟>>

-<< غازي يا خالتي>>

-<< أمّا الصبيّة فستنام مع هاجر وإن كان سريرها ضيّقا  هي غلطتكم ... كان عليك أن تخبرني قبل مجيئكم>>

... بعد أن قدمت إليهم وجبة العشاء اتجهت الخالة سلمى صحبة هاشم إلى مكتب الخال سحنون الذي كان يتأمل ورقة صفراء بالمجهر:

-<< ها أنت تعود يا هاشم... حمدا على سلامتك ، أرجو أن لا تقلق راحتي، عندي أبحاث كثيرة هذه الصائفة.>>

-<<سحنون، هاشم عاد ومعه صديقان وطائر ببغاء>>أجابت سلمى.

-<<طائر ببغاء... يا للغباوة...>> أجاب سحنون.

-<<هل بامكان الضيفين البقاء عندنا حتى نهاية العطلة المدرسية؟>>سألت سلمى.

-<<لا أعتقد ذلك، احتفظي بالبغاء إذا شئت ليس لدي من الوقت ما أضيّعه، عندي أشغال كثيرة>>

... خرجت الخالة سلمى وبعد أن أغلقت الباب قالت متأوهة:

-<<خالك غارق في النبش عن الماضي حتى نسي حاضره... لابد الآن من مهاتفة الأستاذ مصطفى لا شك انه قلق على الطفلين>>

... عندما أخبرت الخالة سلمى الأستاذ مصطفى بقدوم الأطفال تنفس هذا الأخير الصعداء وبعد محاورة طويلة بينهما اقترح عليها الاحتفاظ بالطفلين مقابل منحة مالية هامة مضيفا بأنّه سيعلم بذلك خالهما عبد الجواد الذي سيكون مبتهجا بإقامة ابني أخته على شاطئ البحر... والببغاء؟؟...

-<<آه... لسي ذلك مشكلا فأنا أحبّ الببغاوات>> أجابت الخالة سلمى

انتهت المكالمة عندما طمأنت الخالة سلمى الأستاذ مصطفى بأنها ستحتفظ بغازي ولمياء حتى نهاية العطلة وعندما وضعت سماعة الهاتف ارتمى عليها هاشم مقبّلا:

-<<شكرا... شكرا... سنساعدك على راحة خالي>>

-<<هيّا بنا نصعد إلى غرفة السطح نرتّبها لتكون صالحة لإقامتك وإقامة غازي أما لمياء فعليها أن تختار بين النوم مع هاجر أو النوم في غرفتك يا هاشم>>

... صعد هاشم المدرج خلف خالته... كان الرواق باردا وكانت الغرفة مستديرة الشكل والشبابيك بدون زجاج.

-<< أخاف عليكما من البرد داخل هذه الغرفة>> قالت الخالة سلمى

-<<لا يهم ، حتى وان كانت النوافذ بدون زجاج فسوف نتركها مفتوحة ، سنضع أدباشنا في هذا الصندوق الخشبي، عندنا كرسيان صغيران ولا نحتاج إلاّ إلى حشيّة >> أجاب هاشم

-<<عندي واحدة كبيرة سأجلبها لكما بعد أن تنظّف هاجر الغرفة >>

-<<شكرا خالتي، أنا واثق بأنّ وجود غازي ولمياء بيننا لن يحرجنا>>

-<<ليس هذا ما يحيّرني في الوقت الحاضر، أنا قلقة على أمك>>

-<<هل هي مريضة؟>> سأل هاشم مضطربا

-<<هي مرهقة فقط، الطبيب أشار عليها بالراحة على شاطئ البحر ولكنّها لا تستطيع الانقطاع عن العمل، عليك أن تعمل بجدّ يا بني لتساعدها>>

... ساعد جاسر الأطفال على حمل الحشيّة والحقائب والطاولة الصغيرة إلى غرفة السطح التي انبعثت منها رائحة كريهة.

-<<كثيرا ما نصحت السيدة سلمى بأن هذه الغرفة لا تصلح للإقامة فمنها يمكن مشاهدة الجزيرة الموحشة عند طلوع القمر... كم هو سيئ رؤية الجزيرة الموحشة>> قال جاسر

-<<لا تعد مثل هذا الكلام السخيف يا جاسر >> قال هاشم

-<<لم أقل غير الحقيقة، هذه الغرفة سيئة وأسوأ منها رؤية الجزيرة الموحشة التي تأتينا منها المصائب... لا تنظروا إليها كثيرا>>

-<<و أين تقع هذه الجزيرة ؟ >> سأل غازي

-<<ستتمكن من رؤيتها عندما يطلع القمر، كانت مسكونة سابقا والآن هي مهجورة تماما >>أجاب هاشم

-<<الأجل ذلك سميت الجزيرة الموحشة؟ >>

-<<نعم، ولكن أغلبية الناس يطلقون تلطفا عليها اسم جزيرة النوارس>>

-<<ليتني اذهب إليها، سأجد فيها بلا شك العديد من فصائل الطيور حيث لا وجود لمن يزعجها أو يعكّر صفوها هناك>> قال غازي

-<<لا أعتقد ذلك سهلا، لم يذهب إليها أحد حتى الآن منذ أن أصبحت مهجورة>> أجاب هاشم

... في الأيام الأولى بدت الحياة ببرج الضباب غريبة نوعا ما بالنسبة لغازي وأخته لمياء فلا وجود للكهرباء ولا للحنفيات ولا للمتاجر.يجب تنظيف مصباح البترول كل صباح وتغيير فتائله وجلب الماء من البئر ولكن سرعان ما تعوّد الزائران على ذلك وتأقلما مع الحياة الجديدة.

4-اكتشاف غريب